Saturday, August 25, 2012

الآن انت تعرف لماذا ست البنات

لا اعلم ان كنت تدري ام لا ولكن جزء كبير من الصراع الذي دار بين الثوار والمجلس العسكري كان سببه هو ما يحدث داخل ما يحدث داخل المؤسسة العسكري نفسها.

قبل الثورة كانت المواقف التي تمر بمن قضى فترة الخدمة العسكرية، كانت محل تندر وسخرية بين اقرباؤه معارفه. تغير الامر كثيراً بعدها، فعندما تقوم بربط ما رأيته بداخلها مع مايراه الجميع خارجها من فشل كارثي في ادارة البلاد تدرك حجم المأساه التي يعانيها جيشك الذي يحمي وطنك وتبدأ اعراض الامتعاض والألم تلاحقك.

هذة المؤسسة الغامضة التي لا يعلم احداً عنها شيئا تقريباً سوى من التحق بها تحمل بداخلها اجابات كثيرة لما رأيناه اثناء فترة ادارة المجلس العسكري للبلاد.

تلتحق بهذة المؤسسة جبراً بلا اختيار كأغلب افرادها لتصبح جنديا في "القوات المسلحة المصرية" .. تبدأ مرحلة الحشو- اولى المراحل - قبل الالتحاق بقليل وتصل الي الذروة في اول ايامك وتستمر إلى النهاية.

كلام كلام عن الامجاد والشرف والمعارك والجهاد .. شعارات جوفاء اغلبها من مخلفات الحقبة الناصرية تتجلى جوفائيتها يومياً وانت تشاهد مضاد كل هذة الشعارات يحدث امامك .. ولك.

لا قيمة للانسان داخل هذه الاسوار، اوامر صماء عليك تنفيذها دون فهم او سؤال .. تلتحف كذباً بشعارات صماء اخرى من نوعية "الانضباط" و "التقاليد العسكرية" لتضفي عليها مزيداً من السلطوية والقهر.

هراء مصحوب بانتهاك لكل قواعد حقوق الانسان، لا طعام لا شراب لا ملابس (مهمات) لا اهتمام بصحتك لا شئ.. بالطبع، لا تسأل عن تلك الخرافة المسماة كرامة.

سيوجه لك السباب (الميري - القانوني: او هكذا جعلوه) وستؤمر بالركوع والزحف ارضاً .. وسيحرص آمرك ان تكون يداك خلف ظهرك .. حتى يتأكد له انك "تسف" حبيبات التراب من على سطح ارض الطابور الساخنة بشكل يرضيه، بينما يقف هو بعيداً تحت الظل.

في منتصف الليل، في ليلة من ليالي ديسمبر او يناير تقف بدون ملابسك (سكيني) او تنزل الي "طرنش" (بلاعة) لتقوم بتنظيفها او ربما في منتصف ظهيرة يوم حار من ايام اغسطس تؤمر بارتداء ملابسك كاملة وترفع "مخلتك" بعد ان تملأها بما تبقى من مهماتك وتقف .. حتى تنهار..

حالة متناقضة من وهم الكرامة والشرف والرجولة ممزوجة بالنموذج العسكري السوفيتي الفاشل القائم على القهر بدعوى الاسترجال.. ولكن ما الجديد نحن نعشق الفشل!

***
دعنى احدثك قليلا عن "الاسترجال" واحكي لك عن صديقي صبري..
صبري صديق الجيش فلاح ابن بلد كان اول من استقبلني بعد ان قضى عامه الأول (صبري يحمل مؤهلاً متوسطاً (دبلوم) يجعل مدة خدمته سنتان)، تنتهي مدة خدمتي وانا صبري في نفس اليوم وعند اقترابها قلت له بثقة: "اكيد يا صبري استفدت اي حاجة من الجيش" .. فرد: " لا بالعكس، اتعلمت الكذب والخوف" .. واقع.

مصنع الرجال؟ مصنع المكرونة ربما .. حوَل مصنع المكرونة صبري الذي يعمل خلال الاجازة ليسد حاجة امه واخوته بينما اقضيها انا في الغالب نائماً .. حوله لكاذب جبان.

***
تساءل البعض لماذا لم يصد الجنود شهداء رفح الهجوم الارهابي الذي وقع علي وحدتهم .. هل تعلم لماذا؟

ببساطة سلاح الجنود فارغ!
يحتاج الجنود عند الهجوم عليهم الي الاختباء، ثم الصراخ: "حرس سلاح" فيأتي الصول (صف الضابط) ليفتح صندوقاً به الذخيرة ويقوم بتوزيعها عليهم .. فيبدأوا في صد الهجوم .. الله يرحمهم.

سأصدمك الآن  بسبب حمل الجنود لسلاحاً بلا ذخيرة .. تراكمات المهانة والذل هي التي دفعت بعضهم الي التخلص من جلاديهم - اقصد بعض الضباط والصف .. نعم، لا يهم مستقبل، لا تهم حياة .. الجرح اعمق.

فما كان لهم الا الوصول الي هذا الحل العبقري: جنود يحرسون بأسلحة فارغة! فليُقتلوا هم، هم جنود بلا ثمن .. لننجو نحن!

***
نحو منتصف الليل جاء احد الجنود الي طبيب الوحدة المجند يشكو من آلالام شديدة في محيط وسطِه .. تشكك الطبيب انه مصاب بزائدة دودية مما يستدعي خروجه حالاً الي المستشفى .. 

ذهب الطبيب الي الضابط النوبتجي يخبره بحالة الجندي المريض فقال له: "اديله اي مسكن ونبقى نروح بيه بكرة"
"يا فندم ازاي؟! .. يا فندم دا اشتباه زايدة وممكن يموت!"
الضابط المسئول عن تأمين الوحدة وعن الجنود في تلك الليلة كان مشغولاً بمتابعة الاخبار ربما، او ربما لعب البلاي ستيشن او مشاهدة فيلماً ..

اطمئِن بعد ضغط من الطبيب، ضحى الضابط بفيلم السهرة.

تتشابه هذة القصة مع قصة المجند أحمد ضحية الاهمال والعجرفة. اليك.

***
باكرا ً في مهمة رسمية، اربعتنا مع صف ضابط الي المستشفى لتوقيع كشفاً عشوائياً للمخدرات علينا.  مرتجلين، هل تعلم انها جريمة؟ .. ها قد اخبرتك! الترجل (اي المشي) في الشارع جريمة بحسب قوانين رواد مصانع المكرونة!

بسبب جرمنا الشديد، استوقفنا اثنان من ذوي القبعات الحمراء. سحبوا كل اوراقنا تقريباً ثم بدأوا فقرة: "المزيد من الاهانة ولكن خارج وحدتك هذه المرة" .. كل اشكال التذلل الذي قدمه الرجل الاربعيني لم تفلح مع الصلف والغرور .. لربما اذا جمعت عمريهما سوياً لن يصل الي عمره.

اطلقوا سراحنا بعد ان ادركنا سوء فعلتنا.

 فكرت ان اعود ليلاً او خلال الاجازة ربما لأقذف بعض البيض او الطماطم الفاسدة .. بعد تفكير ادركت انهم ضحية هم ايضاً، فلنوفر البيض لمن يستحق- الجلاد.
***
هذه مشاهدات قليلة من صور كثيرة يصعب حصرها .. على اي حال، اظنك الآن تعرف لماذا ست البنات.


No comments: